الشيخ محمد رشيد رضا

499

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المصالح العامة ولا يعقلون وجه ارتباط المنافع الخاصة بها ، بل يتركونها زاعمين أنهم قد وكلوا أمرها إلى اللّه وعملوا بهدي دينه فيها ، بل لا يخطر في بال أحد منهم هذا الزعم الا إذا عذله عاذل أو وبخه موبخ على تفريطه في حقوق أمته ، وما يجب عليه لملته ، فحينئذ يعتذرون بالاقدار ، أو بأن الآخرة لهم والدنيا للكفار ، وقد ذكرناهم بفساد شبهتهم هذه مرارا « 1 » و ( ما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ) إن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يخبر أمته بما سيقع فيها من التفرق والشيع ، وركوب سنن أهل الكتاب في الاحداث والبدع ، وبغير ذلك من أخبار الفتن ، الخاصة بهم والمشتركة بينهم وبين الأمم ، الا لأجل ان يكونوا على بصيرة في مقاومة ضرها ، واتقاء تفاقم شرها ، لا لأجل ان يتعمدوا إثارة تلك الفتن والاصطلاء بنارها ، والاقتراف لاوزارها ، فمثله ( ص ) في ذلك كمثل الطبيب الذي يخبر المسافرين إلى أرض مجهولة لهم بما فيها من الأمراض لأجل ان يبذلوا جهدهم في اتقاء وقوعها بهم ، ثم في مداواة من يصاب بها منهم ، لا لأجل ان يجعلوا أنفسهم عرضة لها باتيان أسبابها ، وتوطين النفس على الهلاك بترك التداوي منها . وقد كان أهل الصدر الأول يفهمون ذلك من النصوص كما صرحت به عائشة في حديث لعن أهل الكتاب لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد فإنها عللته بقولها : يحذّر ما صنعوا . وقد صرحت النصوص بالنهي عن التفرق والاختلاف ، الذي تدهور في تيهوره أهل الكتاب ، حتى لا نفع فيه على غرارة وجهالة فيكون شره مستطيرا ، ولا تهتدي إلى تخفيفه سبيلا ، ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ؟ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) ولو أن علماء الصحابة أو التابعين كتبوا في التفسير وشرح الحديث لبينوا لنا ذلك ولم يقصر المصنفون من المتقدمين والمتأخرين في شيء من علم الكتاب والسنة كما قصروا في بيان ما هدى اليه القرآن والحديث من سنن اللّه تعالى في الأمم والجمع بين النصوص في ذلك والحث على الاعتبار بها ، ولو عنوا بذلك بعض عنايتهم بفروع الاحكام ، وقواعد الكلام ، لافادوا الأمة ما يحفظ به دينها ودنياها ، وهو

--> ( 1 ) أولها ما نشرناه في العدد الثاني من سنة المنار الأولى في مقالة عنوانها ( القول الفصل - محاورة في سعادة الأمة ) وقد صدر ذلك العدد في 29 شوال سنة 1315